مكانٌ للسلام

إسرائيل والشعب اليهودي: جذور وذاكرة واختيار الحياة

القصة كما يرويها كثير من اليهود والإسرائيليين: ارتباط قديم بالأرض، ومنفى واضطهاد، ودولة وُلدت في الحرب، وبحث طويل عن الأمان والسلام. وكذلك الفصول التي تميل الرواية الإسرائيلية إلى تجاوزها.

13 دقيقة للقراءة

اختر فصلًا للقراءة

جذور نراها وذاكرة نسمعها

يسبق ارتباط اليهود بهذه الأرض دولة إسرائيل بآلاف السنين. نراه في الحجر: نقوش آشورية توثّق حصار مدينة لخيش في مملكة يهوذا سنة 701 قبل الميلاد.1 ونراه في الرَّق: مخطوطات البحر الميت تحفظ كتابات يهودية وإيمانًا يهوديًا من عصر الهيكل الثاني.2

وتحيا الأرض أيضًا في روايات الكتاب المقدس وفي العبرية وفي الصلوات المتجهة إلى القدس. الإيمان والتاريخ نوعان مختلفان من المعرفة، ويمكن فهم الارتباط من دون مشاركة الإيمان. وفي ليلة عيد الفصح اليهودي ما زالت العائلات تروي حكاية الخروج من العبودية إلى الحرية، بالأسئلة والأطعمة.3 وليس هناك طريقة واحدة لتكون يهوديًا: متدينًا أو علمانيًا، أشكنازيًا أو سفارديًا أو مشرقيًا أو غير ذلك.

في الشتات: بيت، وخطر أيضًا

عاشت جماعات يهودية أجيالًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وما وراءها: كتبت وتاجرت وتجادلت مع جيرانها. ويحفظ الأرشيف اليهودي العراقي سجلّ تلك الحياة، وسجلّ نهايتها.4 ووفق وزارة الخارجية الإسرائيلية أُجبر أكثر من 850 ألف يهودي على مغادرة الدول العربية وإيران في القرن العشرين؛5 ومن العراق وحده غادر نحو 120 ألفًا في عامَي 1950 و1951، بحسب الأرشيف الوطني الأمريكي.4

معاداة السامية، أي العداء لليهود لأنهم يهود، اتخذت أشكالًا كثيرة: افتراءات وقيود وعنف وطرد، من إنجلترا سنة 1290 إلى إسبانيا سنة 1492.6 وضربت المذابح يهود الإمبراطورية الروسية؛7 وفي الفرهود ببغداد، يومَي 1 و2 حزيران/يونيو 1941، اعتُدي على اليهود ونُهبت ممتلكاتهم.8 لم يكن كل مجتمع معاديًا، لكن الانتقال من الانتماء إلى الخطر قد يكون سريعًا. وهذا جزء من سبب أهمية البيت والقدرة على الدفاع عن النفس في الذاكرة اليهودية.

تذكّر الضحايا لا يجعل أحفاد المعتدين، ولا أتباع ديانة كاملة، مذنبين إلى الأبد. ونقد حكومة إسرائيل ليس بذاته كراهية لليهود؛ واليهود جميعًا ليسوا مسؤولين عن أفعال تلك الحكومة.

المحرقة

بين 1933 و1945 اضطهدت ألمانيا النازية، مع حلفائها والمتعاونين معها، يهود أوروبا، وقتلت نحو ستة ملايين يهودي. ومُحيت عائلات وجماعات وعوالم ثقافية بأكملها.9

تفسّر هذه الذاكرة عمق الحاجة الإسرائيلية إلى الأمان. لكنها لا تختزل الهوية اليهودية في الضحية، ولا تبيح إيذاء الآخرين. والصهيونية سبقت المحرقة؛ فإسرائيل ليست جوابًا على كارثة فقط، بل حلم قومي وحياة بُنيت أيضًا.

الصهيونية: حنين قديم يصير خطة

في أواخر القرن التاسع عشر صارت الصهيونية حركة قومية حديثة؛ وجمع تيودور هرتسل المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897.10 وفي إعلان بلفور، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، أيّدت بريطانيا إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على ألا يُمسّ بحقوق الطوائف غير اليهودية فيها.11 وفي 1922 حمّلت عصبة الأمم بريطانيا مسؤولية تنفيذ ذلك.12

لكن الأرض لم تكن خالية. عاش فيها عرب أيضًا، لهم بيوت وحقول ومدن وجذور عميقة. وتصادم أملين قوميين ليس هامشًا في هذه القصة؛ إنه القصة نفسها.

1947–1948: رقص في الشوارع، ثم حرب

في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة يهودية ودولة عربية وقدس دولية، بأغلبية 33 صوتًا مقابل 13.1314 قبلت القيادة اليهودية الخطة؛ ورفضتها القيادة العربية الفلسطينية والدول العربية بوصفها ظالمة لبلاد غالبية سكانها عرب.15 وفي الذاكرة الإسرائيلية هذه هي الليلة التي رقص فيها الناس في الشوارع.

اندلع القتال فورًا، والحكم البريطاني ما زال قائمًا.15 ووفق وزارة الخارجية الإسرائيلية، هاجم عرب محليون وقوات غير نظامية من دول مجاورة التجمعات اليهودية.16 وبعد ثلاث سنوات من المحرقة، يتذكر الإسرائيليون تلك الأشهر حربًا على الوجود نفسه. وحتى 1949 خسر الجانب اليهودي نحو 4,000 مقاتل ونحو 2,000 مدني، أي نحو واحد من كل مئة من السكان.16

وما تميل الرواية الإسرائيلية إلى تجاوزه: في الأشهر نفسها، قبل إعلان الدولة، كان عرب فلسطينيون قد بدأوا يفقدون بيوتهم. فبحسب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، غادر نحو 75 ألفًا حتى نيسان/أبريل 1948، وفرّ نحو ربع مليون آخرين حتى حزيران/يونيو؛ وفي تموز/يوليو طردت القوات الإسرائيلية ما بين 40 و50 ألفًا من سكان اللد والرملة. ويقدّر موريس العدد الإجمالي للاجئين بما يزيد قليلًا على 700 ألف.17 أما كم من ذلك كان مخططًا فما زال موضع جدل؛ والقصة الفلسطينية تفصّل ذلك.

في 14 أيار/مايو 1948 أعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل.18 وعبرت جيوش عربية إلى أراضي الانتداب السابق (في إسرائيل يُقال غزو؛ وفي الكتابة العربية: دخول الجيوش العربية إلى فلسطين).15 وانتهت الحرب عام 1949 بـاتفاقيات هدنة، لا بسلام؛ ولم تقم الدولة العربية، وسيطر الأردن على الضفة ومصر على غزة.15

بن غوريون: الباني، والقرارات القاسية

قاد دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة، الدولة في تلك الحرب. وهو في نظر كثير من الإسرائيليين الرجل الذي حوّل الحلم إلى دولة؛ وفي 1953 انتقل إلى سديه بوكير في النقب، ليُظهر أين يرى المستقبل.19

وكان أيضًا على رأس القرارات القاسية في 1948. ففي 16 حزيران/يونيو قررت حكومته عدم السماح بعودة جماعية للاجئين. وبحسب موريس، أيّد بن غوريون «الترانسفير»، وإن لم يوافقه جميع زملائه في القيادة.17 يمكن تقدير ما بناه، ورؤية الثمن الذي دفعه آخرون أيضًا.

وعد إعلان الاستقلال بالمساواة في الحقوق وبحرية الدين والضمير واللغة والتعليم.20 هذا معيار تُقاس به الدولة، لا دليل على أنها التزمت به دائمًا. عام 1948 هو عند يهود كثيرين عام القيام؛ وهو عند فلسطينيين كثيرين النكبة. التجربتان حقيقيتان، ولا تتطلب أيّ منهما طمس واقعة.

1949–1967: مهاجرون وحكم عسكري وأسابيع من الخوف

استوعبت الدولة الفتية مئات الآلاف: ناجين من المحرقة، ويهودًا غادروا الدول العربية أو طُردوا منها. ووفق وزارة الخارجية وصل من العراق أكثر من 120 ألفًا ومن اليمن أكثر من 47 ألفًا. واليوم، بحسب الوزارة، أحفاد اليهود القادمين من الدول العربية وإيران هم غالبية اليهود في إسرائيل.5 ومن يرى في الإسرائيليين «أوروبيين» يفوته ذلك.

وفصل قلّما يُروى: من 1948 حتى 1966 عاش المواطنون العرب في إسرائيل تحت حكم عسكري، إلى أن أعلن رئيس الحكومة ليفي إشكول إلغاءه في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1966،21 مع أن إعلان الاستقلال وعد بالمساواة.20

في 1956، بعد أن أمّم الرئيس المصري عبد الناصر قناة السويس، هاجمت إسرائيل سيناء في 29 تشرين الأول/أكتوبر بخطة سرية مع بريطانيا وفرنسا؛ وأدى ضغط أمريكي إلى وقف إطلاق النار في 6 تشرين الثاني/نوفمبر.22 ويتذكر الإسرائيليون «عملية قادش» ردًّا على عمليات التسلل وعلى إغلاق الطريق البحري إلى إيلات؛ ويسمّيها المصريون «العدوان الثلاثي».

في أيار/مايو 1967 حشدت مصر قوات في سيناء، وطلبت سحب قوة الأمم المتحدة، وأغلقت مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية.23 وفي الذاكرة الإسرائيلية هذه «أسابيع الانتظار»: الاحتياط مجنّد، والشوارع خالية، وخوف من الإبادة بعد 22 عامًا من المحرقة.

1967: ستة أيام، وبداية الاحتلال

في 5 حزيران/يونيو 1967 شنّت إسرائيل هجومًا جويًا تصفه بأنه ضربة استباقية، وحتى 10 حزيران/يونيو انتصرت.24 واحتلت سيناء وغزة من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، وهضبة الجولان من سوريا.23 وبدا ذلك في إسرائيل نجاة: من الخوف من الإبادة إلى الحائط الغربي (حائط البراق عند المسلمين) في أسبوع. وفي العالم العربي هي «النكسة».24

وهكذا بدأ الاحتلال أيضًا: صار عدد كبير من الفلسطينيين تحت حكم عسكري إسرائيلي. في 19 حزيران/يونيو 1967 قررت الحكومة عرض السلام على مصر وسوريا على أساس الحدود الدولية مع ترتيبات أمنية؛ وبعد أن رفضت قمة الخرطوم العربية التفاوض والسلام، ألغت الحكومة العرض في تشرين الأول/أكتوبر.25 وفي تشرين الثاني/نوفمبر جاء القرار 242، ولم تُفضِ مساعي يارينغ وروجرز إلى اتفاق.

وبدأت إسرائيل كذلك ببناء المستوطنات، وما زال الإسرائيليون يتجادلون حولها. فهناك من يرى في «يهودا والسامرة» قلب القصة اليهودية وعمقًا أمنيًا. وهناك من يرى في السيطرة المتواصلة على شعب آخر خطرًا على الديمقراطية الإسرائيلية وطابعها الأخلاقي. وفي تموز/يوليو 2024 رأت محكمة العدل الدولية، في رأي استشاري، أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني وأن عليه أن ينتهي في أسرع وقت ممكن.26

تشرين الأول/أكتوبر 1973: صفارات يوم الغفران

في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973، في أقدس أيام السنة اليهودية وأهدئها، دوّت صفارات الإنذار.27 هاجمت مصر وسوريا القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان؛ وبعد إخفاقات في الأيام الأولى انتهت الحرب بانتصار عسكري إسرائيلي.28 قُتل نحو 2,656 جنديًا إسرائيليًا وأصيب أكثر من 7,200.27 وفي مصر وسوريا تُذكر حرب تشرين الأول/أكتوبر حربًا لاستعادة أراضي 1967.

وفي إسرائيل هي «التقصير»: صدمة حطّمت ثقة 1967 بالنفس؛ وأفضت الاحتجاجات ولجنة أغرانات إلى استقالة الحكومة.27 ومن هذه الحرب نبتت الدبلوماسية: مؤتمر جنيف، واتفاقا سيناء، وفصل القوات في الجولان، وفي آخر الطريق السلام مع مصر.28

السبعينيات: إرهاب ضد المدنيين

في السبعينيات عرف الإسرائيليون خوفًا جديدًا: هجمات موجّهة عمدًا إلى المدنيين. في أولمبياد ميونيخ، في أيلول/سبتمبر 1972، هاجم عناصر من منظمة «أيلول الأسود» الفلسطينية البعثة الإسرائيلية؛29 وقُتل 11 من أعضائها عمدًا.30 وفي 1974 قُتل 26 شخصًا في هجوم على مدرسة في معالوت، بحسب إحصاء لمجلة «تايم» تنقله وزارة الخارجية.30

في 11 آذار/مارس 1978 نزلت خلية فلسطينية قادمة بحرًا من لبنان على شاطئ معغان ميخائيل، واختطفت حافلة على الطريق الساحلي وأطلقت النار على الركاب. ووفق وزارة الخارجية قُتل عمدًا 38 مدنيًا، بينهم 13 طفلًا.30

ولهذا ظلّت «منظمة التحرير الفلسطينية» تعني في العبرية، سنوات طويلة، الإرهاب. ولم تعترف إسرائيل والمنظمة إحداهما بالأخرى إلا عام 1993، في رسائل الاعتراف المتبادل؛ وما تغيّر في الجانب الفلسطيني في تلك الأثناء معروض في طريق منظمة التحرير، 1974–1988. وقاعدة الموقع تسري هنا كما في كل مكان: استهداف المدنيين عمدًا إرهاب، أيًّا كان مرتكبه.

سلام مع مصر، وحرب في لبنان

في تشرين الثاني/نوفمبر 1977 جاء الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس وخطب في الكنيست. وفي آذار/مارس 1978 كتب 348 من ضباط الاحتياط وجنوده إلى مناحيم بيغن ألا يضيّع الفرصة، ومن الرسالة وُلدت حركة «السلام الآن».31 وبعد كامب ديفيد وُقّعت عام 1979 معاهدة السلام. أعادت إسرائيل سيناء كلها، وفي نيسان/أبريل 1982 أخلت بالقوة بلدة ياميت التي أقامتها هناك.32 والدولة العربية الكبرى، التي حاربت إسرائيل أربع مرات، صارت جارة في سلام، وما زالت.

في حزيران/يونيو 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان وحاصرت بيروت.33 وسمّت الحكومة الحرب «سلامة الجليل» وقدّمتها إبعادًا لمنظمة التحرير الفلسطينية عن الحدود الشمالية. كانت أول حرب يتجادل فيها الإسرائيليون وهي ما زالت دائرة.

بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982 ارتكب عناصر «الكتائب»، وهي ميليشيا مسيحية لبنانية حليفة لإسرائيل، مجزرة بحق فلسطينيين في مخيمَي صبرا وشاتيلا في بيروت، بعدما وافق وزير الدفاع الإسرائيلي على دخولهم.34 وبحسب «السلام الآن» تظاهر 400 ألف شخص في تل أبيب مطالبين بلجنة تحقيق؛ وهذا تقدير المنظّمين، وهو موضع خلاف.31 وخلصت لجنة كاهان إلى أن على إسرائيل مسؤولية غير مباشرة، وأن وزير الدفاع أرييل شارون تجاهل خطر سفك الدماء، وأوصت باستقالته.34 أما الاتفاق مع لبنان عام 1983 فلم يدخل حيّز التنفيذ.

أوسلو: أمل، ثم الحافلات

في كانون الأول/ديسمبر 1987 اندلعت في الضفة والقطاع الانتفاضة الأولى، وهي انتفاضة شعبية على الاحتلال.35 وشعر كثير من الإسرائيليين، ومنهم جنود أُرسلوا لضبط مدنيين، أن وضع 1967 لا يمكن أن يستمر بلا ثمن. وفي 1988، بعدما قبلت منظمة التحرير الفلسطينية القرار 242، تظاهر بحسب «السلام الآن» 100 ألف إسرائيلي تأييدًا للتفاوض معها.31

بعد مؤتمر مدريد جاء عام 1993 الاعتراف المتبادل واتفاق أوسلو. أقرّه الكنيست بأغلبية 61 مقابل 50:36 نصف البلاد يأمل، ونصفها يخاف. وفي 1994 جاء السلام مع الأردن. وبدا للحظة أن النزاع كله قريب من نهايته.

ثم جاء الدم والخوف. في 25 شباط/فبراير 1994 ارتكب باروخ غولدشتاين، وهو إسرائيلي، مجزرة إرهابية بحق مصلّين مسلمين في الحرم الإبراهيمي في الخليل.37 وفي شباط/فبراير وآذار/مارس 1996 قُتل 59 شخصًا في أربعة تفجيرات انتحارية نفّذتها حماس، معظمها في حافلات وفي مركز تجاري.38 وصار إسرائيليون أيّدوا الاتفاق يخافون ركوب الحافلة.

في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، في ختام تجمّع من أجل السلام في تل أبيب، اغتيل رئيس الحكومة إسحاق رابين على يد يغآل عمير، وهو يهودي إسرائيلي عارض أوسلو.39 وخلفه شمعون بيريس وخسر انتخابات أيار/مايو 1996.39 جاء القاتل من الداخل، وعلى الإسرائيليين أن يرووا ذلك لأنفسهم أيضًا. لكن الاغتيال وحده لم يقرّر مصير المسار.

الانتفاضة الثانية: حافلات ومقاهٍ وجدار

في تموز/يوليو 2000 انتهت قمة كامب ديفيد بلا اتفاق؛ واندلع العنف بعد زيارة أرييل شارون إلى المسجد الأقصى / الحرم القدسي الشريف (جبل الهيكل عند اليهود) في 28 أيلول/سبتمبر.40 والانتفاضة الثانية عند الإسرائيليين هي التفجيرات الانتحارية في الحافلات والمقاهي والمطاعم والمراكز التجارية. وبحسب «بتسيلم» قتل فلسطينيون بين أيلول/سبتمبر 2000 وأيلول/سبتمبر 2010 1,083 إسرائيليًا، منهم 741 مدنيًا.41

وفي العقد نفسه، بحسب إحصاء «بتسيلم» أيضًا، قتلت قوات الأمن الإسرائيلية 6,371 فلسطينيًا، منهم 2,996 على الأقل لم يشاركوا في القتال؛ ويشمل الإحصاء قتالًا لاحقًا في غزة.41 عاش معظم الإسرائيليين تلك السنوات حربًا دفاعًا عن البيت؛ وعاشها معظم الفلسطينيين على نحو آخر، كما تروي قصتهم.

كسرت التفجيرات شيئًا، وبخاصة عند مؤيدي أوسلو. واستنتج كثيرون أن «لا شريك»: عرضنا، فجاءتنا التفجيرات. هذا استنتاج لا واقعة، وهو موضع خلاف في إسرائيل نفسها، لكن لا يمكن فهم السياسة الإسرائيلية من دونه. وفي استطلاع مشترك عام 2020 قال 79% من اليهود في إسرائيل و90% من الفلسطينيين إنه لا يمكن الوثوق بالطرف الآخر.42

في حزيران/يونيو 2002 قررت الحكومة بناء جدار الفصل، وينسب إليه كثير من الإسرائيليين، مع عمليات الجيش، تراجع الهجمات. لكن نحو 85% من مساره يمرّ داخل الضفة لا على الخط الأخضر، وبحسب «بتسيلم» فصل نحو 150 تجمعًا فلسطينيًا عن أراضيها.43

2005: خرجنا من غزة

في صيف 2005 خرجت إسرائيل من غزة بخطوة أحادية الجانب، هي فك الارتباط: أُخليت المستوطنات الـ21 كلها في القطاع، وكان يعيش فيها نحو 8,500 شخص، وأربع مستوطنات في شمال الضفة. وأُرسل نحو 55 ألف جندي وشرطي لإخلاء مواطنين إسرائيليين من بيوتهم، وتمزّق المجتمع الإسرائيلي.44

لكن الصواريخ لم تتوقف. بحسب رقم تورده «هيومن رايتس ووتش»، أُطلق من غزة نحو 2,700 صاروخ بين أيلول/سبتمبر 2005 وأيار/مايو 2007، وكانت سديروت الهدف الأكثر تكرارًا؛ ورأت المنظمة أن إطلاق النار المتعمد أو العشوائي على المدنيين جريمة حرب.45 وفي حزيران/يونيو 2007 سيطرت حماس على القطاع.46

ومن هنا الجملة التي يعرفها كل إسرائيلي تقريبًا: «خرجنا من غزة، فجاءتنا الصواريخ، ثم 7 تشرين الأول/أكتوبر». ومن يريد أن تنسحب إسرائيل مرة أخرى عليه أن يواجهها. ويردّ منتقدوها، من إسرائيليين وفلسطينيين، بأن الخروج كان أحاديًا بلا اتفاق؛ وبأن إسرائيل ظلّت تسيطر على المحيط البري والجو والبحر؛44 وبأنها فرضت على القطاع حصارًا بعد 2007.46 القولان يستندان إلى وقائع؛ والخلاف على الدرس.

7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما بعده

في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 قادت منظمة حماس الإرهابية هجومًا إرهابيًا في إسرائيل، قُتل فيه مدنيون أبرياء عمدًا واختُطف رهائن.47 وبحسب أرقام الحكومة الإسرائيلية قُتل نحو 1,200 شخص واختُطف 251 إلى غزة.48 كان ذلك لكثير من الإسرائيليين أقسى يوم منذ 1948: الدولة التي أُقيمت كي لا يبقى اليهود بلا حماية لم تحمِ مواطنيها في بيوتهم.

منذ ذلك اليوم تعيش إسرائيل مع قضية الرهائن. عاد آخر 20 رهينة أحياء في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ضمن وقف إطلاق النار، بعد نحو عامين في الأسر؛48 وأُعيدت جثامين من لم ينجوا حتى نهاية كانون الثاني/يناير 2026.49 واستُدعي أكثر من 300 ألف جندي احتياط، وأُجلي عشرات الآلاف من بيوتهم في الجنوب والشمال.50 وبحسب الجيش قُتل 468 جنديًا منذ بدء العملية البرية، في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحتى وقف إطلاق النار.48

انقسم الإسرائيليون على الحرب نفسها. في استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية في أواخر آب/أغسطس 2025 أيّد نحو الثلثين صفقة للإفراج عن الرهائن مقابل إنهاء القتال وانسحاب كامل: 62% من اليهود و81% من العرب.51 والجدل مستمر. هناك من يقول إن هزيمة حماس وحدها تجلب الأمن؛ وآخرون يقولون إن الحرب امتدت أبعد كثيرًا مما اقتضاه الأمن.

وهناك ثمن تجد الرواية الإسرائيلية صعوبة في النظر إليه. قتلت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ما لا يقل عن 67,869 فلسطينيًا حتى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بينهم 20,179 طفلًا، بحسب وزارة الصحة في غزة؛48 ولا يميّز هذا الإحصاء بين المدنيين والمقاتلين.52 حماس ليست الشعب الفلسطيني، والذنب عن الإرهاب لا ينتقل إلى جمهور بأكمله. وما مرّ به سكان غزة مروي في القصة الفلسطينية وفي صفحة وقف إطلاق النار.

رؤية الموقع، لا توقّع ولا وصف لاتفاق قائم

ممَّ يخاف الإسرائيليون، وما الذي يساعدهم على الثقة، ولماذا نحاول مع ذلك

من قرأ حتى هنا يعرف ممَّ يخاف الإسرائيليون. كل فصل أضاف طبقة: المحرقة، و1948، وأسابيع الانتظار عام 1967، وصدمة 1973، والحافلات، والصواريخ، و7 تشرين الأول/أكتوبر. الخوف هو أن يُفهم التنازل ضعفًا، وأن تصير الأرض التي تُسلَّم منصة إطلاق، وأن يريد الطرف الآخر في النهاية ألا نكون هنا. ليس خوفًا متخيَّلًا؛ إنه مكتسب بالتجربة.

ما الذي يساعد الإسرائيليين على الثقة؟ اتفاق، لا انسحاب أحادي. شريك قادر على فرض ما يوقّعه. أمن يمكن التحقق منه، لا الوعد به فقط. اتفاق ينهي المطالب ولا يكون مرحلة أخرى. وأن يسمعوا، بالعربية، أن لليهود أيضًا جذورًا هنا. وللفلسطينيين قائمتهم، وهي تبدأ بإنهاء الاحتلال؛ وكل قائمة تبدو للطرف الآخر كأنها خوفه هو.

إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي ودولة جميع مواطنيها، يهودًا وغير يهود؛ ومنهم من يعرّفون أنفسهم بأنهم فلسطينيون. وموقف الموقع واضح: لإسرائيل حق الوجود دولةً مستقلة وآمنة، وللشعب الفلسطيني حق في دولة مستقلة وفي الأمن والكرامة. ارتباطنا بالأرض لا يمحو ارتباطهم.

هذه الأرض مقدسة عند اليهود والمسلمين والمسيحيين. لا نتحدث باسم الله، ولا حاجة إلى الاتفاق على الإيمان كي نحمي الحياة معًا. لا يمنح أي إيمان رخصة لإيذاء إنسان آخر.

فلماذا نحاول مع ذلك؟ لأن هذا أيضًا مكتوب في هذه الصفحة. حاربت مصر إسرائيل أربع مرات، وبعد محاولات كثيرة لم تنضج صمد السلام معها منذ 1979؛ وانضم الأردن عام 1994. لم ينهِ أي انتصار عسكري منذ 1967 النزاع مع الفلسطينيين، ولا أنهاه الخروج الأحادي. السلام لا يطلب النسيان ولا التخلي عن الحذر. إنه يطلب أن نفحص، بحذر وبعيون مفتوحة، إن كان ممكنًا بناء واقع يقلّ فيه عدد من يضطرون إلى الخوف، من الطرفين. ونحن نرى أن المحاولة تستحق.

المصادر

لستم مضطرين إلى موافقتنا. لهذا بالذات وُضعت المصادر هنا: افتحوها وقارنوا وتحققوا بأنفسكم.

  1. بحث British Museum
    A Researcher’s Guide to the Lachish Collection
  2. أرشيف رسمي Israel Antiquities Authority
    The Leon Levy Dead Sea Scrolls Digital Library
  3. بحث National Library of Israel
    Passover
  4. أرشيف رسمي U.S. National Archives
    Iraqi Jewish Archive — After Millennia
  5. مرجع Israel Ministry of Foreign Affairs — Mission of Israel to the EU and NATO
    Jewish refugees expelled from Arab lands and from Iran
  6. بحث United States Holocaust Memorial Museum
    Antisemitism
  7. بحث United States Holocaust Memorial Museum
    Pogroms
  8. بحث United States Holocaust Memorial Museum
    The Farhud
  9. بحث United States Holocaust Memorial Museum
    Introduction to the Holocaust
  10. بحث National Library of Israel
    The Zionist Movement
  11. مصدر أولي Avalon Project, Yale Law School · 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917
    Balfour Declaration, November 2, 1917
  12. مصدر أولي Avalon Project, Yale Law School · 24 تموز/يوليو 1922
    The Palestine Mandate
  13. مصدر أولي United Nations General Assembly · 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947
    Resolution 181 (II): Future government of Palestine (Plan of Partition with Economic Union), 29 November 1947
  14. أرشيف رسمي United Nations — Committee on the Exercise of the Inalienable Rights of the Palestinian People (UNISPAL)
    Palestine question at the UN (1947–1975): CEIRPP historical backgrounder (A/AC.183/L.3)
  15. بحث U.S. Department of State — Office of the Historian
    The Arab-Israeli War of 1948
  16. مرجع Israel Ministry of Foreign Affairs
    The War of Independence (1948)
  17. بحث Israel Law Review 51(1), Cambridge University Press · آذار/مارس 2018
    1948 Refugees: Proceedings of an International Workshop, Session 1 (summary of Benny Morris, “The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–49”)
  18. بحث U.S. Department of State — Office of the Historian
    Creation of Israel, 1948
  19. بحث Ben-Gurion’s Desert Home
    About Ben-Gurion’s Desert Home
  20. مصدر أولي Avalon Project, Yale Law School · 14 أيار/مايو 1948
    Declaration of Israel's Independence 1948
  21. بحث Economic Cooperation Foundation (ECF)
    Abolition of the Military Governance of Arab-Populated Areas in Israel (1966)
  22. بحث U.S. Department of State — Office of the Historian
    The Suez Crisis, 1956
  23. بحث U.S. Department of State — Office of the Historian
    The 1967 Arab-Israeli War
  24. مرجع Encyclopaedia Britannica
    Six-Day War
  25. بحث Economic Cooperation Foundation (ECF)
    Israeli government resolution of 19 June 1967 (ECF database, entry 89)
  26. مصدر أولي International Court of Justice · 19 تموز/يوليو 2024
    Summary of the Advisory Opinion of 19 July 2024
  27. أرشيف رسمي Israel State Archives
    The Yom Kippur War (online publication)
  28. أرشيف رسمي U.S. Department of State, Office of the Historian
    The 1973 Arab-Israeli War
  29. مرجع Encyclopaedia Britannica
    Munich massacre
  30. مرجع Israel Ministry of Foreign Affairs · 11 آذار/مارس 2010
    32nd anniversary of the Coastal Road massacre
  31. مرجع Peace Now (שלום עכשיו)
    Who We Are
  32. مرجع Jewish Virtual Library
    The Yamit Evacuation
  33. صحافة Al Majalla · 17 أيار/مايو 2023
    Sami Moubayed, The 17 May Agreement of 1983: a perfect failure
  34. مصدر أولي Commission of Inquiry into the Events at the Refugee Camps in Beirut (Kahan Commission); text hosted by the Jewish Virtual Library · 8 شباط/فبراير 1983
    Report of the Commission of Inquiry into the Events at the Refugee Camps in Beirut, 8 February 1983
  35. بحث Institute for Palestine Studies / Palestinian Museum — PalQuest
    First Intifada and Israeli-Palestinian Negotiations, 1987–1993
  36. مصدر أولي United Nations, Division for Palestinian Rights (UNISPAL) · أيلول/سبتمبر 1993
    Chronological Review of Events Relating to the Question of Palestine, September 1993
  37. مصدر أولي United Nations Security Council (text hosted by unscr.com) · 18 آذار/مارس 1994
    Security Council Resolution 904 (1994)
  38. صحافة Jewish Telegraphic Agency (JTA) · 31 تموز/يوليو 1997
    List of suicide bombings in Israel since the 1993 accords
  39. بحث Economic Cooperation Foundation (ECF)
    Rabin's Assassination (1995)
  40. أرشيف رسمي US Department of State, Office of the Historian
    The Oslo Accords and the Arab-Israeli Peace Process
  41. مرجع B'Tselem · 27 أيلول/سبتمبر 2010
    10 years to the second Intifada – summary of data (press release, 27 September 2010)
  42. بحث Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR) and Tel Aviv University · 2020
    The Palestinian-Israeli Pulse: A Joint Poll (August 2020)
  43. مرجع B'Tselem
    The Separation Barrier
  44. بحث Congressional Research Service · 16 أيلول/سبتمبر 2005
    Israel's Disengagement from Gaza (RS22000)
  45. بحث Human Rights Watch · 6 آب/أغسطس 2009
    Rockets from Gaza: Harm to Civilians from Palestinian Armed Groups’ Rocket Attacks
  46. صحافة Al Jazeera · 8 تموز/يوليو 2026
    Timeline: 20 years of Hamas rule in Gaza, from election to political exit
  47. مصدر أولي UN Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel · 27 أيار/مايو 2024
    Report A/HRC/56/26 (advance unedited version), 27 May 2024
  48. صحافة NPR · 13 تشرين الأول/أكتوبر 2025
    As the ceasefire begins, a look at the Gaza war by the numbers
  49. بحث Council on Foreign Relations · 24 شباط/فبراير 2026
    A Guide to Trump's Twenty-Point Gaza Peace Deal
  50. مرجع Israel Defense Forces · تشرين الثاني/نوفمبر 2023
    1 Month Recap: War Against Hamas
  51. بحث Israel Democracy Institute, Viterbi Family Center for Public Opinion and Policy Research · 3 أيلول/سبتمبر 2025
    Israeli Voice Index, August 2025
  52. صحافة Reuters (published by The Jerusalem Post) · 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026
    One year on, Trump's Gaza plan has not stopped Israeli fire or disarmed Hamas - explainer